سيد محمد طنطاوي

171

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

دينا سوى دين الإسلام يكون أشد خسرانا ، وأسوأ حالا ، لأن الطلب أقل شرا من الاتباع الفعلي . وبعد أن عظم - سبحانه - شأن الإسلام ، وبين أنه هو الدين المقبول عنده ، أتبع ذلك ببيان أن سنته جرت في خلقه بأن يزيد الذين اهتدوا هدى ، أما الجاحدون للحق عن علم ، والمتبعون لأهوائهم وشهواتهم فهم بعيدون عن هداية اللَّه ، ولن يقبلهم - سبحانه - إلا إذا تابوا عن ضلالهم ، وأصلحوا ما فسد منهم ، استمع إلى القرآن وهو يصور هذا المعنى بأسلوبه البليغ المؤثر فيقول : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 86 إلى 89 ] كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ واللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّه والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 87 ) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ( 88 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 89 ) روى المفسرون روايات في سبب نزول هذه الآيات الكريمة منها ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال . إن رجلا من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم ندم فأرسل إلى قومه : سلوا لي رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هل لي من توبة ؟ فجاء قومه إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقالوا . هل له من توبة ؟ فنزلت هذه الآيات ، فأرسل إليه قومه فأسلم . وعن مجاهد قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل اللَّه هذه الآيات . قال : فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه . فقال الحارث : إنك واللَّه - ما عملت - لصدوق ، وإن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأصدق منك ، وإن اللَّه - عز وجل - لأصدق الثلاثة ، قال : فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه وعن الحسن البصري أنه قال : إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، رأوا نعت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كتابهم وأقروا به ، وشهدوا أنه حق ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك فأنكروه وكفروا بعد إقرارهم حسدا